سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ٣٥٣وهذه الآية: (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ): هي بيان لكيفية دبيب الحياة على وجه الأرض. ممثلة في فلق الحبّ والنّوى في عالم النّبات مما هو زرع أو شجر، فلكل بذرته الجامدة تنفلق في التّراب عن زرع أو شجر فتتعدّت أنواع الحبوب والثّمار وتختلف في ألوانها وأشكالها وطعومها. فإذا كان وضع الحبّ والنّوى في التّراب بالعملية الفلاحية، هو ربط للأسباب بالمسبّبات بصنع الإنسان فإن ما ينتج عن ذلك من دورة الحياة بالخلق والإيجاد هو من بديع صنعِ الله وقدرته. ثم بيّن ذلك بقوله تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ): أي يخرج النّبات والشّجر النّامي، وهو يتنفّس ويتغذى وتسري فيه روح الحياة، يخرجه من جامد هامد لإنماء فيه ولا حركة مثل أنواع الحبوب والبذور والنّوى. مثل هذا المظهر الحركي في دبيب الحياة من ميّت جامد في الحياة المشاهدة هو دليل قاطع على قدرة الله في إحياء الموتى ليوم البعث قال تعالى في سورة الرّوم: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (50). وفي مقابل العملية الخلقية الأولى قال: (وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ): وهي عملية أخرى أعجب، تتمثل في إخراج الميّت من الحيّ مثل الحبّ والنّوى من النّبات، والبيضة من الحيوان، وقيل في التّفسير العلمّي: هي الإفرازات مثل اللّبن والمسك واللّؤلؤ. كل ذلك دالّ على كمال قدرة الله تعالى، ولا يمكن أن يتمّ ذلك عن طريق الصّدفة في الطّبيعة كما يقول الماديّون الملحدون.