سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ٣٧٠قال تعالى: (وَلَا تَسُبُّواْ الذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ): والجملة معطوفة على ما سبق، وهو أمر الله لرسوله بالإعراض عن المشركين، وهنا يخاطب المسلمين وينهاهم هن سبّ ءالهة المشركين، وإن كان دافعهم لذلك هو الغيرة لدين الله الحق والتّشنيع على الباطل والضّلال حتى يعرفه النّاس، لأن هذه المصلحة الجائزة في المنهج الدّعوى سوف تؤدي إلى مفسدة أعظم وأخطر. وهي أن يردّ المشركون عليهم بسبّ إلههم الحق ظلما وعدوانا وجهلا منهم بجلال الله وقدره. والسّبّ من شأنه أن يثير حفيظة المشركين لنصر ءالهتهم فلا يزيدون إلا علوّا واستكبارا. ولا يعتبر من السّبّ والشّتم ما يستدعيه الجدال والحجاج من ذكر بعض النّقائص والعيوب في الشيء المذموم كقوله تعالى على لسان إبراهيم في محاجة قومه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ). (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ). (قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ). (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمُ (إِذْ تَدْعُونَ). (أَوْ يَنْفَعُونَكُمُ (أَوْ يَضُرُّونَ). (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) (الشّعراء:69 - 74). ومن أبلغ الإرشاد الإلهي في أخلاقيات الدّعوة قوله تعالى في سورة العنكبوت: (وَلَا تُجَادِلُواْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُواْ ءَامَنَّا بِالذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ’ مُسْلِمُونَ) (46). وقوله تعالى لموسى وهارون عليه السلاما: (فَقُولَا لَهُ’ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ’ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه:44). وقد أثبت العلماء بهذه الآية أصلا من أصول الفقه وهو: "سدّ الذّريعة" أي منع ما هو جائز إذا كان يتوصلّ به إلى المحظور.