سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ٣٧٦(وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ): الضّمير راجع إلى المشركين لأنهم يجهلون تلك السّنن المركزة في طباع البشر، كما يجهلون قدر الله ومشيئته في تصريف شؤون خلقه، والتّعبير بأكثر لإخراج البعض ممن هداه الله إلى الإسلام بعد ذبك، وممن استثنتهم مشيئة الله في نفس الآية:
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الاِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمُ (إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً): بعد التّيئيس من إيمان ذلك الصّنف ممن جعل لله شركاء، ينتقل السّياق إلى أسلوب التّسلية لرسول الله عليه السلام وكان يحزن لموقف الكفار: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَارِهِمُ (إِن لَّمْ يُومِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) (الكهف:6). والإشارة في أول الآية إلى وضعية القوم من رسول الله. فهي مماثلة لما حدث لكل نبي مع قومه بوجود أعداد له بالإعراض والمكر والكيد. والشّيطان رمز للكيد والشّرّ والتّمرّد عن الحق والمعروف. وهي حالة يتصف بها بعض الإنس والجنّ. والشّيطنة في الإنس من بني البشر ظاهرة نعيشها في واقعنا اليوميّ، وهي وراء كل صراع حسيّ أو معنويّ لا تكاد تهدأ عواصفه أو تخبو نيرانه. وفي نفوس شياطين الإنس وفي مجاري دمائهم تدبّ شياطين الجن بإغراءاتها ووساوسها كما وصف ذلك رسول الله حين قال: "إن الشّيطان يجرى من بني ءادم مجرى الدّم في العروق فضيقوا مجاريه بالصّوم.(1) " لقد أخبرنا ربنا -وهو علاّم الغيوب- بطبيعة هذا النّوع من الخلق الجلّي والخفيّ وأنهم متعاونون في تكثير وسائل الإغراء والفتنة. فهم يزخرفون الكلام ويزيّنونه بأنماط من الأراجيف والأكاذيب ونحن أبناء اليوم -قد تاهت أحلامنا، ودوّت أسماعنا بما نشاهده ونسمعه من تلك الدّعايات الرّنانة والشّعارات البراقة يتفنن في إذاعتها هؤلاء الشّياطين لترويج باطلهم
(1) – الحديث: