سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ٤٠٠ب) - استعداد الإنسان وقابليته للهدي والضّلال وللخير والشّرّ، وكسبه واختياره لاتجاهاته وتبدو هاتان الحقيقتان في المنطق الذهبي متعارضتين ولكنهما ليستا كذلك، إذا ما أدركنا قانون الأسباب والمسبّبات في الواقع الفعلي المعيش، ثم حاولنا أن ندرك بعقولنا وأرواحنا معا قدرة خالق الأسباب ومطلق إرادته ومشيئته في تدبير شؤون ملكه، فإننا بذلك لا نجد ذلك التّعارض المزعوم، ويعجبني في هذا المجال البيان الضّافي الذي قرره "سيد قطب" في ظلاله عند تفسيره لهذه الآية الكريمة في صفحتين يقول في فقرة منهما: "إن تصوّر هذه الحقيقة يحتاج إلى استخدام منطقة أخرى من مناطق الإدراك البشري وراء منطقة المنطق الذّهبي. وكذلك يقتضي التّعامل مع الواقع "الفعلي" لا مع "القضايا الذّهنية". فالقرءان يصوّر الحقيقة الفعلية في الكينونة البشرية، وفي الوجود الواقع. وهذه الحقيقة يتراءى فيها التّشابك بين مشيئة الله وقدره وبين إرادة الإنسان وعمله، في محيط لا يدركه المنطق الذّهبي كله. فإذا قيل: إن إرادة الله تدفع الإنسان دفعا إلى الهدى أو الضّلال، لم تكن هذه هي الحقيقة الفعلية. وإذا قيل: إن إرادة الإنسان هي التي تقرّر مصيره كله، لم تكن هذه هي الحقيقة الفعلية كذلك. إن الحقيقة الفعلية تتألف من نسب دقيقة -وغيبية كذلك- بين علاقة المشيئة الإلاهية وسلطانها الفاعل، وبين اختيار العبد واتجاهه الإرادي، بلا تعارض بين هذه وتلك ولا تصادم" انتهى.(1)
ومعنى الآية الكريمة: أن هناك أسبابا غيبية خفية غير التي علّق المجرمون إيمانهم على حصوله من إتيانهم مثل ما أوتي رسل الله، لأنهم في واقعهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل ءاية، ذلك لأن الله تعالى لم يشرح صدروهم للهداية الإسلامية التي تتطلب سلامة الفطرة وطهارة النّفس. لأنهم بأخلاقهم الفاسدة تلك قد دسّوا نفوسهم وطمسوا بصائرهم فلم تعد مستعدة لتلقي أنوار الهداية.
(1) – الظّلال ج 08 / ص: 381.380