سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ٤٠١وشرح الصّدر كناية عن ذلك الاستعداد لتلقي أنوار الهداية وقد وضّحه رسول الله، عند ما سئل عن معنى الشّرح في هذه الآية: فقال: هو نور يقذفه الله في القلب، قالوا يارسول الله. فما علامته؟؟ … قال: "التّجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود".
وقد وردت عبارة: "شرح الصّدر" في ءايات أخرى مثل قوله تعالى: (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ’ لِلاِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ) (الزمر:22). وقال لنبيئه: (اَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)؟ (الشّرح:1). ودعا موسى عليه السلام ربّه عندما أمره بالذّهاب إلى فرعون فقال: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي). (وَيَسِّرْ لِيَ أَمْرِي) (طه:25 - 26).
أما الذي تتجه فطرته إلى الضّلال ويختار الغواية بما تدنّست به نفسه من الغلّ والكبر والغرور فإنه يجد في صدره ضيقا وعنتا. فلا يتسع قلبه لهداية الإسلام ولا يجد نوره إليه سبيلا. وللمبالغة في تصوير شدّة الضّيق أتبع الله الضّيق بالحرج، ثم شبّهه بمحاولة من يريد الصّعود إلى السّماء. وزيادة على ما عرفه النّاس قديما من أنواع المشاق والمتاعب في صعود المرتفعات والجبال، أو حتى في الوسائل التي اتخذها الإنسان لصعود طوابق البناءات كالدّرج والسّلاليم. زيادة على ذلك فإن اختيار لفظي الضّيق والحرج للصدر بذل المشقة والتّعب مثلا يدلّ على جانب من الإعجاز العلمّي في القرءان. وذلك بعد ما كشف العلم وحدّد الغلاف الجويّ للأرض، وبعد أن مارس الإنسان الطّيران وشق الفضاء الخارجي للأرض. حيث ينعدم الأكسجين كلية أو يقلّ كلما ارتفع الإنسان في طبقات الجوّ، فيشعر بذلك الضّيق والحرج، ويضطر إلى التّنفّس الاصطناعي وما كان محمد رسول الله يعلم تلك الظواهر الطّبيعية لو لم يكن القرءان العظيم منزلا من خالق الطّبيعة ومسخّر قوانينها.