نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأنعام.

الجزء ٦ · صفحة ٤٠٦

(وَلَقَدَ اَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً اَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ) (يّس:60 - 62). ومن عجيب التّصوير للخصائص النّفسية البشرية في القرءان الكريم. أن يكون ذلك النّمط من جواب الإنس لله تعالى: (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الذِي أَجَّلْتَ لَنَا): فالجن في موقف الإدانة من الله تعالى، وقد تحققت جريمتهم في إغواء الإنس بكثرة. ولكن ما بالهم لا يجيبون الله دفاعا عن أنفسهم بنفي ما اقترفوه. بل بادر أولئك المفتونون من الإنس بالإجابة عنهم. وقد وصفهم الله بأنهم موالون للجنّ، والمتوليّ عليهم يكونون في موقف الخضوع والطّاعة لأوليائهم. ولذا كان جوابهم ينمّ على نوع من الرّضى والقناعة بالنّفع المتبادل بين الفريقين: (اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ): إنها لذة النّجاح في الإغراء والإفتان من الجن، ولذة الإكثار من الأتباع والأشياع. ولذة الإنس في تحقيق الرّغبات والشّهوات والانغماس في الفواحش والمنكرات. وهنا تبرز الطّبيعة البشرية في أوهي ضعفها ووهنها حين ترضى لنفسها بالحطة والهوان أمام من يستذلها ويستغلّها.

من يهن يسهل الهوان عليه … ما لجرح بميّت إيلام.

(وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الذِي أَجَّلْتَ لَنَا): اعتراف منهم بما ينكرونه من البعث والجزاء، ومع الاعتراف الحسرة والندامة على فرّطوا في جنب الله، وأن الولاية التي كانت بينهم في الدّنيا لم تغن عنهم من الله شيئا، فهم الآن مستسلمون لأمر الله.

١٬٨٦٤ / ٦٬٧٦٧