سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ٤١٨أمر الله رسوله بنداء قومه استمالة لهم وتحريكا لعاطفتهم بقوله: (يَا قَوْمِ): حتى يكون ذلك باعثا لهم على حسن الإصغاء، لما يتمخض لهم من الوعيد والتّهديد في هذه الآية، إذ أمرهم أن يثبتوا على مكانتهم وشاكلتهم لأن هدايتهم أصبحت كالميئوس منها؛ وفي هذا الأمر تهكّم واضح كقوله تعالى في شأن الكفّار المعاندين: (اِعْمَلُواْ مَا شِئْتُمُ () (فصلت:40). وقوله في عذاب المجرمين بجهنم: (كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً اِنَّكُم مُّجْرِمُونَ) (المرسلات:46). يقول الإمام الزّمخشري في توجيه معنى الآية: "يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله: "على مكانتك يا فلان": أي أثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه
(إِنِّي عَامِلٌ): على مكانتي التي أنا عليها. والمعنى أثبتوا على كفركم وعداوتكم، فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم.
(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ): أيّنا تكون له العاقبة المحمودة. وطريقة هذا الأمر، طريقة قوله: (اِعْمَلُواْ مَا شِئْتُمُ (). وهي التّخلية والتّسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشّرّ. فكأنه مأمور به، وهو واجب عليه حتم ليس له أن يتقصّى عنه ويعمل بخلافه" انتهى.
قلت:
النّداء: "بيا قوم": بما فيه من الاستمالة والاستعطاف يناسبه مثل هذا الأسلوب الحكيم في الخطاب مع ما يتضمن ذلك من التّهديد والوعيد، والإنذار بسوء العاقبة في الدّنيا والآخرة. وكل ذلك بالنّسبة للمخاطبين إخبار بالغيب، ولذا جيء بسوف مع الفعل المضارع. وقد تحققت تلك العاقبة في مسيرة الدّعوة الإسلامية. فكانت نصرا وتمكينا لرسول الله ومن أتبعه، وكانت خزيا وهلاكا لأعدائه، وفي الآخرة الجزاء الأوفى لكلا الفريقين.