سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ١٨٩وقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلآء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَّاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالاِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) يتتابع فيه الخطاب لليهود الحاضرين المشار إليهم بـ (هَؤُلآء)، والترتيب بـ"ثم" للفارق الزمني بين الأسلاف والأخلاف، فما هو واقعكم بعد ذلك الإقرار والإشهاد؟، إنه خلاف الميثاق المأخوذ، قتل لبعضكم البعض، وإخراج من الديار ظلما وعدوانا، وجاء التعبير بصيغة المضارع للدلالة على التجدّد والاستمرار، والنص القرآني يذكّرهم بواقع قريب العهد.
يقول الدكتور وهبة الزحيلي تحت عنوان " المناسبة التاريخية المتجددة": كان سفك الدماء وتقاتل اليهود وطرد بعضهم بعضا من ديارهم ظاهرة شائعة فيهم، وظلت هذه الظاهرة إلى عصر التنزيل القرآني، فكان يهود بني قريظة حالفوا الأوس، ويهود بني النضير حالفوا الخزرج، فإذا نشبت الحرب بينهم، كان كل فريق من اليهود يقاتل مع حلفائه، فيقتل اليهوديّ يهوديا آخر، ويخرّب بعضهم ديار بعض ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والمال، مع أن ذلك محرّم عليهم بنص التوراة، وإذا أسر بعضهم فدوهم بالمال وكانوا إذا سئلوا: لما تقاتلونهم وتفدوهم بالمال، قالوا: أمرنا -أي التوراة- بالفداء، فيقال: فلم تقاتلونهم؟ فيقولون: حياء أن تستذل حلفاؤنا، فأنزل الله: (أَفَتُومِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ).(1)
ويستمرّ الإخبار بالواقع العجيب من أمرهم بذلك التناقض في المواقف، فهم إذ يتظاهرون مع حلفائهم العرب ضدّ بعضهم بعض بالقتل والنفي يزعمون أنهم أمروا بفداء كل مملوك من بني إسرائيل، فهم بذلك يطبّقون حكم التوراة، بينما هم يهملون حكمها في تحريم القتل والنفي، وهذا تلاعب بالنصوص المقدسة يدعو إلى التعجيب والاستنكار فقال تعالى:
(1) - نقل الدكتور هذا النص من تفسير ابن كثير، 1: 121.