سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ٤٤٠يقول الإمام ابن عاشور موضّحا الفرق بين مشيئة الله ومشيئة العباد. يقول: "وبهذا ظهر تخليط أهل الضّلالة بين مشيئة العباد ومسيئة الله فلذلك ردّ الله عليهم هنا قولهم: (لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ ءَابَآؤُنَا): لأنهم جعلوا ما هو مشيئة لهم. مشيئة لله تعالى، ومع ذلك فقد أثبت مشيئة في قوله: (وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ) (الأنعام:107). فهي مشيئة تكوين العقول وتكوين نظام الجماعة. فهذه المشيئة التي اعتلوا بها مشيئة خفيّة لا تتوصّل إلى الإطّلاع على كنهها عقول البشر. فلذلك نعي الله عليهم استنادهم إليها على جهلهم بكنهها فقال تعالى: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا): هذا ردّ لتلك الشّبهة يصحبه التّهديد والوعيد ضمنيّا. أيْ مثل ما كذّبك هؤلاء القوم -وأنت رسول تبلّغ إليهم- فقد كذّب الذين من قبلهم أنبياءهم، ولجّوا في ذلك التّكذيب حتى أنزل الله عذاب الاستئصال. ووجه الاستدلال بهذا الرّدّ الإلاهي: أنه لو كانت شبهتهم صحيحة لما نزل بهم عقاب الله –وهو الحكيم العادل- وهو القائل: (وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ) (الشورى:30). وبالتّالي: فإن الله الذي أنزل العذاب بأولئك الأقوام قادر أن ينتقم منكم إن بقيتم على غيّكم وضلالكم.
(قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَ اَنتُمُ (إِلَّا تَخْرُصُونَ):