نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأنعام.

الجزء ٦ · صفحة ٤٤١

أمر الله رسوله أن يطالب الكفّار بدليل علميّ يثبت ما زعموه، فجيء بالاستفهام التّعجيزي إفحاما وتهكّما، لأنه يستحيل عليهم أن يأتوا بالمطلوب، والرّسول مدرك لمدى جهلهم وضلالهم، وإنما هو الإفحام والتّوبيخ، وجيء بفعل: (فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ): بمعنى الإظهار والبيان في مقام التّوضيح والتّفهيم للمحاجّة والمجادلة، أي تبيّنونه لنا لنفهمه. حتى لكان ذلك الدّليل العلميّ المطلوب من عندهم كان خفيّا مستورا عن السّائل: (إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَ اَنتُمُ (إِلَّا تَخْرُصُونَ): أيْ لا علم لكم ولا دليل في الحقيقة والواقع بل ما تتبعون إلا الوهم والظّن الباطل، وقصارى أمركم أنكم تخرصون، والخرص والتّخمين لا يثبت معه حكم، وكثيرا ما يفضي إلى الكذب، وفي مقابل موقفكم الدّنيّ في إفلاسكم من الحجة، قل لهم يا محمد: (قُلْ فَلِلهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمُ (أَجْمَعِينَ): والحجة البالغة هي الدّليل المقنع. والموصل إلى القصد. وقد أثبت الله لذاته العلية أعلى درجات العلم، وله وحده الحجج المقنعة في إحقاق الحق وإبطال الباطل، وقد بيّنها على ألسنة رسله، سيما في القرءان الكريم، إذ يعتمد في منهجية دعوته إلى الله وإلى صراطه المستقيم، على الحوار والإقناع، ويدعو إلى النّظر العقلي والتّأمّل الواعي، ثم يترك النّاس لحريتهم واختيارهم للرشاد أو الغي ويقول للرسول: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُومِنْ وَّمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرِ) (الكهف:29). فلا قهر ولا إلزام. وتلك هي سنة الله في خلقه، فلو شاءت قدرته أن يجعلكم على أتقى قلب رجل واحد كالملائكة لما أعجزه ذلك. وقد تكرّر هذا المعنى في القرءان بأساليب مختلفة ليترسّخ في الذّهن. أما علم الله الأزلي وقضية القضاء والقدر والجدل العقيم في ذلك، فأمر لا نملك فيه الوسائل المعرفية في حدود عقولنا القاصرة.

١٬٨٩٩ / ٦٬٧٦٧