نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأنعام.

الجزء ٦ · صفحة ٤٤٩

(وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ): القتل في مصطلح الفقهاء هو إزهاق روح إنسان متحقق الحياة قارّها بفعل من شأنه عادة أن يزهق الرّوح يقوم به إنسان مؤاخذ بعمله. وعرّفت النّفس "بأل" الجنسية لإفادة الاستغراق، والنّهي فيها للتّحريم ولقد تكرّر النّهي عن القتل في القرءان وفي السّنة، وهو من الفواحش الكبرى المنهي عنها سابقا خصّصها الله بالذّكر لما فيها من فساد عظيم. ولإهراق الدّماء عواقبه الوخيمة في زرع الإحن والبغضاء بين الأفراد والجماعات، قد لا يعفّى عليها الزّمن، ولا ينسيها الصّلح وأداء الدّيّات.

وهذه الجريمة المنكرة صحبت البشرية منذ نشأتها الأولى بدافع الحيوانية والإنسان عندما تتغلب على العقل والحكمة. وفي قصة ابني ءادم قابيل وهابيل المذكورة في سورة المائدة ما يدلّ على ذلك. غير أن النّظم الإنسانية في مختلف الحضارات المتعاقبة منذ بدء الخليقة كلها متفقة على أن القتل العمد بغير حق جريمة شنعاء لا يستسيغها عقل ولا يقرها دين ويدلّ على ذلك قوله تعالى: (الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ): أي في الدّيانات السّابقة. ذلك لأن الحياة حق مقدّس هو أغلى منحة من الله لخلقه، فلا يملك انتزاعها إلا هو، لأن الذي يملك الإيجاد يملك الإعدام.

والشّريعة الإسلامية -إذ شنّعت بهذه الجريمة- فقد عنيت كل العناية ببيان أحكامها الدّنيوية، إن بالطّرق الوقائية لتفادي وقوعها، أو بالطّرق العلاجية متى وقعت، وهي مترفقة حكيمة في القتل الخطأ، وصارمة متشددة في القتل العمد، وقد تولّى الفقهاء تفاصيل تلك الأحكام في موسوعاتهم.

١٬٩٠٧ / ٦٬٧٦٧