نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأنعام.

الجزء ٦ · صفحة ٤٥٨

وبهذا الرّبط المحكم تتمّ المناسبة بين محاور السّياق فالوصايا العشر جاءت بها التّوراة والقرءان، وكلاهما كتاب مبارك منزّل من عند الله. كما أن الصّلة محكمة بين قوله تعالى في ءاخر الوصايا: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً): وبين إشادته تعالى ببركة القرءان والأمر بإتباعه في قوله: (وَهَذَا كِتَابٌ اَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ): لأن القرءان هو صراط الله المستقيم كما وصفه رسول الله. والقدر المشترك بين التّوراة والقرءان أن في كليهما هدى ونورا، وفيهما التّفصيل للأحكام التّشريعية والبيان لكلّ الأخبار الغيبية، وما يحتاجه الأتباع لتدبير شؤون دينهم ودنياهم فقال تعالى في شأن القرءان: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) (الأنعام:38). وقال مخاطبا الرّسول في سورة النّحل: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (89). وقال هنا في شأن التّوراة: (ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُومِنُونَ): فالضّمير يرجع إلى معلوم لدى العرب، وهم بنو إسرائيل وفائدة التّركيز على مبدئ من مبادئ العقيدة، وهو الإيمان باليوم الآخر: (لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُومِنُونَ): لأنه العنصر الفعّال في تقويم سلوك المؤمن، فقد يكون مؤمنا بالله ورسوله حق الإيمان، ولكن تعتريه ظروف قاسية من فقر وجهل تنسيه حتى في نفسه أحيانا وقد تأخذه زينة الدّنيا ومتعتها فيطغى ويستبعد ما ينتظره من الحساب والجزاء. وكل من أسلاف العرب واليهود قد ترعرعوا في حظيرة الإيمان والحنيفية من عهد إبراهيم عليه السلام غير أن الأخلاف بدّلوا وغيّروا فتاهوا وضلّوا.

١٬٩١٦ / ٦٬٧٦٧