سورة الأنعام.
الجزء ٦ · صفحة ٤٦٦والتّفرّق في الدّين من أخطر ما يصيب الأمّة في وحدتها، لما يقع فيه من اللّبس بين الحق والباطل، فيكتسي طابع القداسة عند العامّة من النّاس، وهم يعظّمون أيمْتهم، إذ لا يعرفون الحق إلا من خلالهم كما يعتقدون بينما يجب أن يعرف الرّجال بالحق الذي بحوزتهم لا العكس. ورسول الله يبرأ من الدّين فرّقوا دينهم: (لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ): أي لا ملة بينه وبين هؤلاء إطلاقا. فمهما أدّعى هؤلاء انتماءهم للإسلام، وهم يرفضون بعض أحكامه في واقع حياتهم لأيّ سبب من الأسباب فقد ثبتت في حقهم براءة رسول الله. وأما جزاؤهم على أعمالهم فهو إلى الله وحد، لأن الخلائق كلها تنتهي إليه، فينبّئهم بما كانوا يفعلون، أي يعاقبهم وفي بيان معنى التّفريق في الدّين الذي يترتب عليه ذلك الوعيد الشّديد يقول الإمام ابن عاشور: "وتفريق دين الإسلام هو تفريق أصوله بعد اجتماعها، كما فعل بعض العرب من منعهم الزّكاة بعد رسول صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر رضي الله عنه: "لأقاتلن من فرّق بين الصّلاة والزّكاة. وأما تفريق الآراء في التّعليلات والتبينات فلا بأس به. وهو من النّظر في الدّين: مثل الاختلاف في أدلة الصّفات، وفي تحقيق معانيها مع الاتفاق على إثباتها، وكذلك تفريق الفروع. كتفريق فروع الفقه بالخلاف بين الفقهاء، مع الاتفاق على صفة العمل وعلى ما به صحة الأعمال وفسادها، كالاختلاف في حقيقة الفرض والواجب.
والحاصل أن كل تفريق لا يكفّر به بعض الفرق بعضا، ولا يفضي إلى تقاتل وفتن فهو تفريق نظر واستدلال تطلّب للحق بقدر الطّاقة. وكل تفريق يفضي بأصحابه إلى تكفير بعضهم بعضا، ومقاتلة بعضهم بعضا في أمر الدّين فهو مما حذّر الله منه. وأما ما كان بين المسلمين نزاعا على الملك والدّنيا فليس تفريقا في الدّين، ولكنه من الأحوال التي لا تسلم منها الجماعات". انتهى.(1)
قلت:
(1) – ج08 – ص192.