نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ١٩٩

التّعبير بفعل "الاشتراء" على ما يدلّ عليه من البيع أو الشّراء، فهو يصوّر تلك الصّفقة الخاسرة، إذ جعلوا من أنفسهم ثمناً للكفر استبقاءً للمتاع الدّنيوي من الرّئاسة والسّمعة، فبئس ذلك العرض الذي يسترخص فيه الإنسان نفسه مقابل شيء حقير، ويزيده خساسةً وحقارة أن يكون بدافع الحسد والبغي، والحسد هو تمنّي زوال النّعمة عن المحسود -وهو أفدح الظّلم- والمحسود عليه هو قوله: (اَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ)، فاليهود لا يرون الحقّ في الحكمة والنّبوءة لغيرهم، فحسدوا محمّداً على رسالته إذ كان من ولد إسماعيل جدّ العرب، ولم يكن منهم – أي من ولد إسحاق-، فتلك هي علّة كفرهم، وأيّ ظلم أفدح من أن ينازع أحدٌ الله في اختياره ومشيئته، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.

ومن نتائج ذلك الظّلم أنّهم رجعوا من تلك الصّفقة بالخسران المبين: (فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ)، فقد اجتمعت غضبات الله عليهم، بكفرهم بما جاء به محمد، وبكفرهم بما جاء به عيسى وبإعناتهم لموسى-عليهم السلام-، وغير ذلك ممّا وقعوا فيه من الانحرافات كعبادة العجل وقولهم عزير بن الله … إلخ.

ومع الغضب المضاعف عذاب مهين، أي مُذِلّ لهم جزاء سخريّتهم بالرّسول والمؤمنين، والإظهار لصفة الكفر للمعنى المتقدّم في استحقاق اللّعنة، وهو عذاب شامل للدنيا والآخرة.

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ، ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُومِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَآ وَرَآءَهُ، وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِئَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّومِنِينَ):

١٩٩ / ٦٬٧٦٧