نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ٢٠٢

لقد سبقت قصة اتخاذ العجل في ما مضى من سياق تعداد نعم الله على بني إسرائيل، وأعيدت هنا بأسلوب آخر في معرض محاجّتهم وإبطال دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم خاصّة -كما سبق- إذ لم تزدهم البيّنات التي آتاها الله موسى إلا تماديا في الكفر والعناد، ومن أقوى الدلائل لذلك عبادتهم العجل، فلا عجب -إذن- أن يعاملوا محمدّا بتلك المعاملة الجافّة، وقد عاملوا رسولهم موسى الذي يدّعون الإيمان به بمثل ذلك، وذلك ينمّ عن فساد طبعهم وغلظة قلوبهم فقال جلّ من قائل: (وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اَتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنم بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ):

الجملة معطوفة على قوله: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِئَآءَ اللَّهِ)، وهي مصدرّة باللاّم المشعرة بالقسم، والمقصود بالبيّنات هي ما أيّد الله به موسى قبل الميعاد الذي نزلت فيه التوراة، وهي التي لخّصها الله في قوله: (وَلَقَد - اتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءايَاتِم بَيِّنَاتٍ) (الإسراء:101)، والمقصود من إيراد هذه الأحداث التاريخية بعدما تقدّمت نظائرها هو التبكيت لبني إسرائيل والردّ على دعواهم الإيمان بما أنزل على موسى والاكتفاء به عما سواه، فتذكيرهم بتلك الفظائع التي ارتكبوها يلزمهم الحجة بأن لا عذر لهم في ترك الإيمان بمحمد، وهذه الأحداث الفظيعة هي كما أوردها السياق:

- قتلهم الأنبياء بغير حق، وقد تقدّم تفسيرها.

- كفرهم بالبينات التي جاء بها موسى إذ قابلوا ذلك بعبادة العجل ورسخ حبّه في قلوبهم رسوخ الماء في بدن العطشان، أو رسوخ الصبغ في الثوب.

- تردّدهم في أخذ الميثاق وتهديدهم برفع الطور فوقهم.

وقد تفنّن الأسلوب القرآني في التذكير بهذه الأحداث، وإن تقدّم ذكرها في ما مضى من سورة البقرة، كما ستأتي بتفصيل أكثر في سورة الأعراف بحول الله.

ولعل من المفيد أن نتعرّض بإيجاز لفوارق النظم والأسلوب بين الآيات هنا ونظائرها هناك:

٢٠٢ / ٦٬٧٦٧