سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣(وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنَ اَحَدٍ حَتَّى يَقُولآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ): أي أنّ الملكين المعلّمين اتّبعا مع تلاميذهما طريقة الإنذار والتّحذير والنّصح، يقولان لكلّ أحد يريد تعلّم السّحر ما يتضمّن النّصح الأمين في إجلاء حقيقة علمهما وأنّه فتنة، هكذا بصيغة الحصر والإخبار بالمصدر لتأكيد المبالغة، بأن ليس في عملهما شيء من الخير الإلهي الثّابت عن طريق الوحي، بل هو فتنة محضة يختبر الله بها عباده حتّى يتبيّن المتمسّك بدينه؛ ذلك لأنّه قد اختلط في ذلك الزّمان أمر السّحر بشأن النّبوّة على النّاس، إذ ادّعى النّبوّة كثير من السّحرة، وقولهما: (فَلاَ تَكْفُرْ) يوحي بأنّ المفتون بالسّحر تعلّماً أو تسخيراً له قد يلتبس بالكفر إذا اعتقد شيئاً من الألوهية أو النّبوءة في السّاحر، ويزيد توغّلاً في الكفر إذا عمل بما اعتقد، ويسود هذا الاعتقاد -غالباً- عند المبتدئين في تعلّم هذا الفنّ وعند دهماء النّاس، وما أبلغ التّعبير القرآني بالفتنة لتجسيد ذلك الواقع المرير الذي دمّر كثيراً من البيوت وهتك الأعراض وأفنى الأموال.
يقول القطب -رحمه الله- في حكم ذلك خلال تفسيره للآية: "ابتلاء من الله للنّاس، فمن تعلّمه كفر، ومن تعلّمه وعمل به كفر، وكذا من اعتقد أنّه حقّ جائز، ومن لم يتعلّمه، أو تعلّمه ليتّقي ضرّه، أو يدفع به دعوى النّبوءة عمّن ادّعاها، وكان مؤمناً، فهو باقٍ على إيمانه".(1)
وفي حالة حصول ذلك التّعليم لأحد بعد النّصح له بما تقدّم، يتفرّع عنه ذكر بعض مضامين ذلك التّعليم، فقال تعالى: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنَ اَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ):
(1) - امحمد بن يوسف اطفيش، تيسير التفسير، 1: 640.