نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ٢٢٤

والضّمير في (يَتَعَلَّمُونَ) للنّاس المعبّر عنهم بـ"أحد" في سياق النّفي، وصيغة المضارع لتصوير الواقع بذكر شيءٍ من تأثيرات السّحر الضّارّة في فكّ آصرة الزّوجين المتحابّين، وفي معناهما كلّ متحابّين بآصرة أخرى غير الزّوجية كآصرة الأبوّة والأخوّة والشّراكة … إلخ، ولم يبيّن القرآن كيف يتمّ ذلك حسّياً أو معنويّاً، لأنّ هذا الفنّ مثل غيره من فنون العلم خاضع للتّطوّر والبحث والكشف، واختيار فكّ آصرة الزّوجية، لأنّها أقوى آصرة تجمع بين شخصين متحابّين يتكاملان ويتمازجان تمازج اللّباس بالجسد في ظلال المودّة والرّحمة، كما صوّر الله بذلك العشرة الزّوجية إذ قال: (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) (البقرة:187).

ولخطورة ذلك التّأثير في معتقد النّاس نبّه الله على أنّ السّحر لا يؤثّر بذاته، وإنّما بإذن الله وقدرته فقال: (وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنَ اَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ):

والإذن معناه خلق الأسباب لفعالية السّحر في المسحور، أو إيجاد القابليّة فيه لتأثير ذلك السّحر، وفي ذلك يختلف النّاس كثيراً، فيخلق الله تلك الأسباب ويأذن بتأثيرها فيمن يشاء من عباده، فليس السّاحر بأشدّ براعة من الطّبيب الحاذق في تشخيص الدّاء ووصف الدّواء، فيربط الأسباب بالمسبّبات ويتحقّق الشّفاء -بإذن الله-، فليس ثمّة قوّة غيبية يمتلكها السّاحر كما يدّعي ذلك أغلبهم، وهكذا يغرس القرآن العقيدة الصّحيحة في نفس المسلم في كلّ مناسبة أو واقعة تدعو فيها الحاجة إلى البيان والتّوضيح.

ثمّ أكّد الله الضّرّ في تعلّم السّحر بصفة عامّة، أي زيادة على التّفريق بين المرء وزوجه فقال: (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ)، أكّد الضّرّ المحض بنفي أيّ نفع، وذلك بالنّسبة لأمور الدّنيا، فحسب المرء من الشّرّ والخزي أن يتركه النّاس مخافة شرّه.

٢٢٤ / ٦٬٧٦٧