سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ٢٢٨خطاب للمؤمنين يناديهم الله بالصّفة الإيمانية المميّزة لهم، يستجيش بذلك شعورهم الدّيني ليتحمّلوا مسؤوليتهم التّضامنيّة، في الإلتزام بسموّ الآداب في حضرة رسول الله، سيما في تلقّي آيات القرآن منه وسماع أحكام الشّريعة، ممّا يتطلّب منهم التأنّي وحسن الاستماع، وقد اعتادوا أن يطلبوا من رسول الله إعادة القول والتّروّي في الإلقاء حتّى يعوا ما يقال لهم فيقولون: "راعنا يا رسول الله"، بمعنى: "ارعنا سمعك وتأنّ بنا حتّى نفهم ما تقول"، أو بمعنى: " راقبنا وانتظر ما يكون من شأننا من حفظ وفهم ما تلقيه علينا".
وبما أن هذا اللفظ قد جعله اليهود وسيلة للطعن والسبّ، وذلك ليّاً بألسنتهم به، لأنه يعني في لغتهم -كما قيل- معنى الحمق والرّعونة وكانوا يتسابّون به فيما بينهم. ولسبب ذلك نهى الله المؤمنين أن يقولوا ذلك لرسول الله وأمرهم أن يقولوا "انْظُرْنَا" لأنها تفيد نفس المعنى، ولا يمكن ليّ اللسان عند التلفظ بها لتحريف معناها كالأولى، وبذلك قطع الطريق عن أهل الكتاب والمشركين أن يتذرعوا بها لأذى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: (وَاسْمَعُواْ) أمر بسماع خاص، يدعو إلى حسن الاستجابة والطاعة لأوامر الرسول، بحيث لا يحتاج السامعون إلى طلب المراعاة والإعادة، ثم حذرهم من مصير الكافرين جملةً بمن فيهم اليهود الذين تحققت فيهم صفة الكفر بسبّ رسول الله، وهم لا ينفكّون عن حقدهم وغيظهم وشدة عدائهم لكم -أيها المسلمون- حسدا لما حباكم الله به من الخير والفضل، وذلك ما كشفه الله للمؤمنين في قوله: (مَّا يَوَدُّ الذِينَ كَفَرُواْ مِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُّنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَّشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ):