نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ٢٧٤

عطفت الجملة على سابقتها مقرونة بـ"إذ" والتقدير اذكر أو اذكروا وجيء بالمضارع (يَرْفَعُ) والظاهر يقتضي صيغة الماضي لحكاية ما وقع وذلك لاستحضار الحالة، كأن المخاطب يعيش تلك اللّحظات ويشاهدها، لأن صورة إبراهيم موجودة في ذاكرة المخاطبين لما له من مكانة في نفوسهم، وفي التعبير برفع القواعد معان تتوارد إلى ذهن السامع، بحثا عما يفيده لفظ "الرفع" زيادة عن البناء وإطالته، من معنى التشريف والتعظيم بالعبادة والتوجّه إلى الله، كما جاء اختيار نفس اللفظ في تعظيم بيوت الله بصفة عامّة، إذ قال تعالى في سورة النّور: (فِي بُيُوتٍ اَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اَسْمُه) (النور: 36)، وكذا ما يفيده لفظ (القَوَاعِد) من الثبات والتركيز، وتأخير اسم (إسْمَاعِيل) معطوفا على الفاعل (إبْرَاهِيم) بعد ذكر المفعول (القَوَاعِد) للتنويه بشأن إبراهيم في عملية البناء وللتنبيه على أن إسماعيل كان تابعا له ومساعدا في الرفع.

واهتماما باستحضار الحالة جيء بصيغة الدعاء كما نطق الداعي به مباشرة دون ذكر القول والتقدير قائلين: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، وطلب القبول أوّلا من الله تعالى هو ملاك الأمر وروح العبادة ينمّ عن آداب عالية مع الله تعالى واستعمال فعل القبول مزيدا على وزن "التفعّل" للمبالغة في أن يكون قبولا عظيما موفور الأجر والثواب، فناسب أن يكون التذييل بقوله: (إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) بقصر الوصفين على الذات العلية، سمعا كاملا مقدّسا لألفاظ الدعاء، وعلما كاملا بنوايا النفوس، وهي مناط القبول عند الله.

٢٧٤ / ٦٬٧٦٧