نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ٢٧٨

تكميلا للتنويه بشأن إبراهيم بعد بيان فضائله، جاءت هذه الآيات لتوضّح أن ملّةً تركّز على التوحيد وإسلام الوجه لله وتدعو للعمل الصالح-بما في ذلك تعظيم شعائر الله- إن ملّة بهذا الشأن العظيم لا يعدل عنها إلا سفيه الرأي فقال تعالى: (وَمَنْ يَّرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ، فِي الاَخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ): عطفت الجملة (وَمَنْ يَّرْغَبُ) على سوابقها في النص الماضي، وهي تقع موقع النتيجة لها، إذ المقصد هو التنويه بشأن ملّة إبراهيم التي يقتضي العقل والواجب أن لا يعدل عنها إلى ما فيه الشرك والضلال، فجاء نفي ذلك بصيغة الاستفهام الإنكاري، وأن من يرغب عن هذه الملّة فقد امتهن نفسه بالحطة والسفاهة، ويفيد الاستثناء معنى الحصر، وفي ذلك تعريض بالذين حادوا عن هذه الملّة بانتحالهم الضلالة والشرك.

ثم دعم الله رفعة إبراهيم زيادة على ما سبق بذكر منزلته عند الله، وأنه تعالى قد اختاره للإمامة والرسالة في الدنيا فكان محل احترام وتقدير من كل الطوائف، ومشهودا له بالصلاح في الآخرة، وأكّدت شهادة الله له بمِؤكدين: (وَإِنَّهُ، فِي الاَخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ)، كما أكد الخبر الأول باللاّم المشعرة بالقسم الاهتمام البالغ بمضمونها، وأن ملة هذا هو شأنها عند الله لا يعدل عنها إلا سفيه، وأوضح الله ذلك الاصطفاء حين دعاه إلى الإسلام بما أراه من الأدلة على عظمة الله ووحدانيته، فبادر إلى الانقياد والطاعة، قال تعالى: (إِذْ قَالَ لَهُ، رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).

٢٧٨ / ٦٬٧٦٧