نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ٢٨٤

بعد أن بيّن الله حقيقة الحنيفيّة السّمحاء في ملّة إبراهيم من خلال وصيّته لبنيه ووصيّة يعقوب لبنيه، وأنّ ما جاء به الإسلام هو في صميم تلك الملّة، وكيف أعرض عنها الأخلاف من أهل الكتاب جاء هذا النّصّ لبيان عقيدة الفريقين، اليهود والنّصارى ومدى غرورهم بحصرهم الهدى في ما هم عليه، فقال تعالى: (وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا اَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ):

يذكر المفسّرون في سبب النّزول، ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس: أنّ ابن صوريا قال للنّبيّ صلى الله عليه وسلم: ما الهدى إلاّ ما نحن عليه، فاتّبعنا -يا محمد- تهتد، وقالت النّصارى مثل ذلك فأنزل الله الآية (وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا اَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ … ).

و"أو" تفيد التّوزيع والتّنويع، لتقسيم الجمع، وردّ كلّ كلام إلى من قاله، أي قال يهود المدينة، وقال نصارى نجران مثل قولهم، فحصر كلّ فريق الهداية في ملّته، ونفوا بمفهوم الشّرط أن تكون الهداية في غيرهم، فجاء الجواب الإلهي بالأمر لرسوله أن يقول لهم: (بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، وانتصب لفظ "ملّة" على تقدير فعل " نتّبع" أي بل نكون أهل ملّة إبراهيم، إذ الكلّ يدّعي أنّه على ملّته، والحال أنّ إبراهيم كان حنيفاً مخلصاً لله، فلا اهتداء إلاّ باتّباع ملّته، وهي ما جاء به الإسلام ممّا يدعو إليه محمّد خاتم الأنبياء.

٢٨٤ / ٦٬٧٦٧