سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ٢٩٩واتفق العلماء على أن استقبال الكعبة شرط من شروط الصحة في الصلاة إلا ما رخّصوا فيه من بعض الحالات، تتعذّر فيه معرفة القبلة أو التوجّه إليها، ويتعين على المصلي في المسجد الحرام أن يستقبل عين الكعبة من أحد جوانبها إلا إذا كان بعيدا عنها فعليه أن يجتهد في توخي التوجه إليها، مما هو مفصّل في كتب الفقه.
وللتصريح بما عليه المسلمون من الهداية بتوجههم نحو الكعبة في صلواتهم جاء قوله تعالى:
(وَكَذَالِكَ جَعَلْنَاكُمُ، أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا):
الكاف للتشبيه والإشارة (ذَلِكَ) إلى المفهوم من قوله تعالى: (وَاللهُ يَهْدِي مَن يَّشَآءُ) والخطاب في (جَعَلْنَاكُم) للمسلمين، وجيء بهذا الاستطراد في ذكر أمر القبلة للإشادة بفضيلة أخرى للمسلمين، في كونهم عدولا خيارا شهداء على الأمم كلها، لوسطيّتهم بين الإفراط والتفريط، فهم المهديّون إلى الصراط المستقيم باستقبالهم الكعبة كما أمرهم الله.
وأطلقت صفة "الوسطيّة" لتشمل كل أنواعها في المجالات كلها من آداب وأخلاق وتشريع وسلوك وعادات، بل حتى في المجالات المادية من حيث المناخ والموقع الجغرافي مثلا، وذلك من أسباب الخيرية التي وصف الله بها هذه الأمة -أيضا- في سورة "آل عمران" بقوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ اخْرِجَتْ للنَّاسِ تَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللهِ) (آل عمران:110).
يقول الإمام الرازي عن معنى الوسطية: "يجوز أن يكونوا وسطا بمعنى أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرّط، والغالي والمقصر، لأنهم لم يغلوا كما غلت النصارى فقالوا: المسيح بن الله، ولم يقصروا كما قصرت اليهود، فبدلوا الكتب واستخفوا بالرسل".(1)
(1) - الفخر الرازي، التفسير الكبير، 04: 98.