نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ٣٠٠

وأما الشمولية التي يدل عليها تنكير اللفظ "وسطا" فقد عبر عنها السيد قطب في ظلال القرآن فقال ما ملخصه: "وإنها للأمة الوسط بكل معاني "الوسط" سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد، أو من الوسط بمعناه المادي والحسي".

ثم أخذ يفصل أنواع الوسطية إلى وسط: في التصور والاعتقاد، ووسط في التفكير والشعور، ووسط في التنظيم والتنسيق، ووسط في الارتباطات والعلاقات، ووسط في المكان في سرة الأرض وفي أوسط بقاعها، ووسط في الزمان تنهي عهد الطفولة البشرية من قبلها، وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها".(1)

ثم علل الله ذلك بقوله: (لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، أي تكون الأمة الإسلامية شاهدة على الأمم كلها ماضيها وحاضرها، شهادة دنيوية وأخروية. تشهدون بوسطيّتكم في الدنيا على المفرطين المغالين في الدين، وعلى المفرّطين الجانحين إلى البهيمية، تشهدون عليهم باعتدالكم وأخذكم بالكمال الإنساني كما هداكم الله إليه، إذ تركزون بين الناس موازين القيم والمبادئ كما صاغها الله، لا كما وضعها البشر بأهوائهم ووفق أغراضهم الدنيئة. وإذا كان الرسول هو المبلغ عن الله، فهو للمسلمين في مقام القدوة لتلك الوسطية، يشهد لهم بأنهم استقاموا على طريقته واتبعوا سنته، فهم أحرياء برضا الله ومحبته، وأحرياء بصفة الخيرية التي امتدحهم الله بها.

وقد ركز الله عظم تلك الشهادة في آيات أخرى، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الحج: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمُ، إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ) (الحج:78).

(1) سيد قطب، في ظلال القرآن، 2: 15 - 16.

٣٠٠ / ٦٬٧٦٧