سورة البقرة
الجزء ٢ · صفحة ٢٦الخطاب للمسلمين، و"كُتِبَ" من صيغ الوجوب كما تقدّم، ولا يكون القتال إلا للأعداء وهم يومئذ المشركون، وقد علمنا كيف أنّ المسلمين مُنعوا من قتال أعدائهم عندما كانوا في فترة التّربّص والإعداد في مكّة، ثمّ قد تدرّجت الأوامر الإلهية بعد هجرتهم إلى المدينة بقتال المبادئين لهم من أعدائهم في القتال، ثمّ نزلت هذه الآية التي اعتبرها المفسّرون أنهّا أوّل آية نزلت في فرضيّة القتال على المسلمين، وكان ذلك في السّنة الثّانية من الهجرة إذ نزلت في واقعة سريّة عبد الله بن جحش إذ بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم مع رهط من المهاجرين ليترصّد أخبار قريش بـ"بطن نخلة" بين مكة والطّائف، وكان ذلك قبل غزوة بدر الكبرى بشهرين، فترصّدوا عيرا لقريش فيها عمرو بن الحضرمّي وثلاثة آخرون معه فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير وفرّ الرابع، وكانت السريّة تحسب أنّها في اليوم الأخير من جمادى الثانية فإذا هي في اليوم الأول من رجب فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم عندما قدموا: والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، وأوقف توزيع الغنيمة، وقالت قريش: قد استحلّ محمد الشهر الحرام، وهو الشهر الذي يأمن فيه الخائف ويسعى الناس فيه إلى معائشهم.
أخذ المشركون واليهود يبثّون الدّعايات الماكرة وتُظهر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمظهر المعتدين الدّائسين على مقدّسات العرب. فنزلت هذه النصوص تردّ تلك الشّبهة وتفصل في قضية المقدّسات.(1)
(1) 1 - أنظر: الطبري، جامع البيان، 2/ 349 وما بعدها. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم،1/ 253