سورة البقرة
الجزء ٢ · صفحة ٢٨ثمّ إنّ المؤمن إذ يفوّض أمره إلى الله فهو يثق به بأنّ ما من أمر يقدّره له فمن ورائه الخير والنّفع لا محالة، إذ لا يعلم النّاس من أمر العواقب شيئا، فقد نكره الشّيء ويكون فيه الخير كلّ الخير، وبالعكس قد نحبّ الشّيء ونطلبه بكلّ الوسائل وفيه الشرّ كلّ الشّر، فكم من لذّة أعقبت حسرة وكم من مكروه انطوى على شيء محبوب.
(وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُم لاَ تَعْلَمُونَ): تذييل مناسب يعلّم المسلمين كيف يستسلمون لأمر الله وكيف يتلقّون قضاءه وحكمه باعتقاد أنّه الصّلاح والخير لهم.
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرُم بِهِى وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِى مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ):
يُحتمل أن يكون السّائلون من المسلمين أو من الكافرين، وكلّهم يرى للمسجد الحرام والشّهر الحرام أعظم الحرمة في المنع من القتال، والأظهر الذي يتناسب مع السّياق في خطاب المسلمين فيما سبق وتوالي الأسئلة منهم في ما يلحق أن يكون السّؤال من المسلمين وقد استفزّتهم الدّعاية المغرضة من طرف اليهود والمشركين في حادثة عبد الله بن جحش كما تقدّم، وأمّا بالنّسبة للكفّار فهم يتوقّعون أن تكون الإجابة بإباحة القتال في الشهر الحرام، وبذلك تكون لهم الفرصة في الدّعاية المغرضة وإثارة العرب بكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد داس مقدّساتهم، ولكن الإجابة الإلهية جاءت على عكس ما يتوقّعون، جاءت تنديداً على أيّ قتال يكون فيه و لو كان صغيراً لأنّ في ذلك الإثم الكبير.