نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ٢ · صفحة ٢٩

وهكذا أثبت الله حرمة تلك الأشهر، ومع إثبات تلك الحرمة فقد تعرّض النّصّ إلى ذكر حادثة عبد الله بن جحش التي استفظعها المشركون وهم يأتون بما هو أفظع من ذلك بالصدّ عن سبيل الله والكفر به ومنع المسلمين من الحجّ والعمرة وإخراجهم من ديارهم وأموالهم، كلّ ذلك أكبر إثماً وأعظم جرماً عند الله من ارتكاب المسلمين أخفّ الضّررين لدفع الظّلم وردّ العدوان، فهذه المجموعة من الجرائم التي ارتكبها المشركون هي أكبر إثما عند الله من قتل واحد من المشركين.

ثمّ علّل الله مشروعية القتال بالفتنة في الدّين بأنّها أكبر من القتل في الشهر الحرام فقال تعالى: (وَالفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْل)، ثمّ عطف عليها قوله: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمُ، إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَنْ يَّرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِى فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتَ اَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).

وأمام تلك التّحرّشات المستمرّة من المشركين نبّه الله المسلمين بحقيقة المعركة بين الحق والباطل وأنهّا ليست ظرفية، لأنّ المشركين لهم مقصدهم في ذلك وهو منع دعوة الإسلام من التّمكّن والانتشار وذلك ما تفيده أداة "حتّى"، أي لا ينتهون من قتالكم وإفتانكم إلى أن يردّوكم عن دينكم، وبما أنّ الإيمان إذا تغلغل في النّفوس فإنّه لا يبرحها مهما كانت الضّغوط والعراقيل فقد جيء بجملة: (إِنِ اسْتَطَاعُواْ) تعريضاً بأنّهم لا يستطيعون ردّ المسلمين عن دينهم. وعلى فرض وقوع ذلك من أحد من المسلمين فقد جاء هذا التّحذير الإلهي مصحوباً بأنواعٍ من الوعيد الشّديد في الدّنيا والآخرة إذا ما أصرّ المرتدّ عن دينه فبقي على الكفر طيلة حياته حتى مات على ذلك والعياذ بالله.

٣٣٢ / ٦٬٧٦٧