سورة البقرة
الجزء ٢ · صفحة ١٥٧هذه هنّ الآيات الأخيرة في بيان أحكام الأسرة بصفة عامّة، وأحكام الزّواج بصفة خاصة، وقد سبقت مثيلتها في التّرتيب وهي قوله تعالى: (وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ … )، وفي هذه يقول تعالى: (وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةٌ لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا اِلَى الحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). ونظراً لموقع هذه الآية من سابقتها في تأخّر الترتيب وإن كان حكمها مخالفا لما تقدّم في الظاهر فقد اختلف العلماء في توجيه معنى الآيتين ما بين النّسخ أو التّخصيص أو التّكامل في المعنى.
أ- فالجمهور يقولون بالنّسخ لأنّ عدّة المتوفّى عنها كانت في أوّل الإسلام سنة كاملة جرياً على عادات العرب مع تخيير المرأة في أن تعتدّ في بيت زوجها فتكون لها النفقة من تركة زوجها، أو تخرج قبل ذلك فتسقط عنها النفقة. ثمّ نسخ ذلك بعدّة الوفاة المذكورة في الآية السابقة وبآية الميراث في سورة النساء. ويروي الإمام الطبري في هذا عن همام بن يحيى قال: سألت قتادة عن قوله تعالى: (وَالذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةٌ لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا اِلَى الحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ … ) فقال: كانت المرأة إذا توفّي عنها زوجها كان لها السّكن والنّفقة حولاً في مال زوجها ما لم تخرج، ثم نسخ ذلك بعد في سورة النساء فجعل لها فريضة معلومة وجعل عدّتها أربعة أشهر وعشرا، فنسخت هذه الآية ما قبلها من أمر الحول.(1)
(1) 1 - الطبري، جامع البيان، 2/ 579.