سورة البقرة
الجزء ٢ · صفحة ٢٤٠(فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ): جواب الشّرط، وهو كناية عن الجزاء وهو لازم معنى علم الله، لأنّ علمه تعالى بكلّ شيء ليس محلّ شكّ عند السّامعين، والجزاء يحتمل الوعد والوعيد، فأكّد الله الوعيد والتّرهيب بقوله: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنَ اَنْصَارٍ): والأنصار جمع نصير، ونفي النّصر عن الظّالمين وعيد شديد يترتّب عن الجزاء وفق ما يعلمه الله من النّوايا والمقاصد في نفوس عباده. ويتمثّل الظّلم في مقام الإنفاق لدى كلّ ممسك عن البذل كفرا أو نفاقا بل حتىّ مع الإيمان إذا ابتلي صاحبه بالشّحّ والبخل، فهو ظلم للنّفس بعدم تزكيتها وتطهيرها بأنواع القربات إلى الله وهو ظلم للجماعة بتعطيل المصالح العامّة، وغمط الفقراء والمساكين في حقوقهم ممّا أوجب الله لهم في أموال الأغنياء.
(اِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُوتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لََّكُمْ وَنُكَفِّرْ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ): إنّ إخفاء الصّدقات أو إبداؤها في جميع أنواعها كما يدلّ عليه تعريف الجنس في لفظ (الصَّدَقَاتِ) والدّال على العموم ممّا ورد فيه خلاف العلماء، والتّفضيل الذي في الآية لصدقة السرّ: (فَهُوَ خَيْرٌ لََّكُمْ)، يقول بعض العلماء ليس هو على الإطلاق، فمنهم من يرى أن ذلك خاصّ بصدقات التّطوع، وأيّدوا ذلك ببعض الأحاديث الواردة في الشّأن أشهرها حديث السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه إذ ذكر الرّسول من هؤلاء المتصدّق المخفي لصدقته فقال: «ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه «(1)
(1) 1 - رواه البخاري بلفظ قريب من حديث أبي هريرة، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين، حديث 1357، 2/ 517.