سورة البقرة
الجزء ٢ · صفحة ٢٥٢إنّها لفتة موحية تستبين بها النّفوس المؤمنة الفروق الكبيرة بين النّظامين، وأيّهما يصلح بالمجتمع ويوفّر له أسباب الطّمأنينة والاستقرار والرّخاء، ولمّا كان الرّبا المعهود عند الجاهليين يقوم على الزّيادة على رأس المال المقروض إلى أجل فإذا حلّ الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخّر عنه، فإنّ الزّيادة أصبحت تتضاعف بكيفية فاحشة. يقول الإمام الرازي: "إنّ ربا النّسيئة هو الذي كان مشهورا في الجاهلية، لأنّ الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل على أن يأخذ منه قدرا معيّنا كل شهر ورأس المال باق على حاله، فإذا حلّ طالبه برأس ماله، فإذا تعذّر عليه الأداء زاده في الحق والأجل".
وفي سورة "آل عمران" نهي مقرون بالتّهديد والوعيد عن تلك الظّاهرة التي تنمّ عن الجشع والأثرة وانعدام أيّ خلق شريف في التّعامل الاقتصادي والتّبادل المنفعيّ بين النّاس ممّا يفسد ضمير الفرد ويهلك الجماعة، فقال جلّ من قائل: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَاكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (آل عمران:130 - 131 - 132).
وكم من صور أخرى استحدثها البشر سيما في العصر الحديث هي كلّها من قبيل هذا النّظام الفاسد الذي يتعارض ومنهج الإسلام الذي يريده الله تكافلاً وتعاوناً وتراحماً بين النّاس وفق التّصوّر الإيماني الذي يقوم عليه المجتمع المسلم، والذي يقوم على الرّكائز التّالية:
أ) - أن الله - سبحانه وتعالى - هو خالق الوجود وله ما في السّماوات وما في الأرض، وهو المقدّر للأرزاق والباسط لها كيف يشاء بين عباده.