نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ٥٧

وهذا تمثيل لحالة الاضطراب والقلق لأولئك الذين لهم بصيص من نور الهداية في قلوبهم وهم يستمعون إلى مواعظ القرآن وقوارعه، فتلتمع قلوبهم بإشراقاته أحياناً، ولكنّهم كلّما همّوا بالسّير في مسالك نوره تحرّكت في نفوسهم كوامن البِدع والضّلالات وغشيتهم ظلماتها، فيتحيّرون قائمين في أماكنهم لا يدرون أين يتّجهون؟؟ … ومن ثَمّ يثقل عليهم سماع القرآن فيُعرضون عنه بعد إقبال، ويعودون إلى التّيه والضّلال، ومن وراء ذلك مشيئة الله في الرّشاد والضّلال لهم وِفق ما يترجّح في ميلهم واختيارهم، وهكذا النّفاق لا وضوح فيه لأصحابه ولا راحة ولا استقرار.

ومن النّاحية البيانية نجد كلاّ من المُشَبّه والمُشَبّه به واضحين في المثلين الكريمين، فما هو وجه الشّبه في كليهما؟.

ذهب المفسّرون القدامى مذاهب شتّى في تحليل أجزاء الصّورة التّمثيلية لاستخلاص وجه الشّبه، وقد أوردها الإمام الفخر الرّازي في التفسير الكبير، وأنهاها إلى ثماني حالاتِ، أعجبني منها قول الإمام الحسن البصري-رحمه الله- في ذكره للحيرة والحسرة التي تنتاب نفس المنافق، غير أنّه لمّح إليها تلميحاً يحتاج إلى مزيد من التّوضيح، فقال ما نصّه: " نقول ليس وجه التّشبيه أنّ للمنافق نوراً، بل وجه التّشبيه بهذا المستوقد أنّه لمّا زال النّور عنه تحيّر، والتّحيّر فيمن كان في نور ثمّ زال عنه، أشدّ من تحيّر سالك الطّريق في ظلمة مستمرّة، لكنّه تعالى ذكر النّور في مستوقد النّار، لكي يصحّ أن يوصف بهذه الظّلمة الشّديدة، لا لأن وجه التّشبيه مجمع النّور والظّلمة." انتهى(1)

(1) - الفخر الرازي، التفسير الكبير، 2/ 73 - 74.

٥٧ / ٦٬٧٦٧