سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ٥٨ويبدو لي -والله أعلم- أنّ وجه الشّبه في كلا المثلين هو ما ألمح إليه الإمام الكبير في هذا التّوجيه الأخير، وهو تشخيص الحالة النّفسية المضطربة عند المنافق بكلٍّ من مُسِتوقِد النّار، والمصابين بصيِّب من السماء، فالجامع بينهم -أي المشبّه والمشبّه به- هو ذلك الشّعور المتحيّر المضطرب، وهم يتخبّطون في الظّلمة والوحشة، بعد أن غشَّى عيونهم لمعان النّور المصحوب بالرّعود والبروق والصّواعق، ليكون ذلك أنكى عليهم وأشدّ، وهم يتلمّسون الخلاص ممّا هم فيه بوسائلهم الضّعيفة في يأس وتخبّطٍ، فالبرق يكاد يخطف أبصارهم، وقصف الرعد يصكُّ آذانهم، فلا يجدون حيلةً إلاّ بإغماض أجفانهم، ووضع أصابعهم في آذانهم، ولو شاء الله لأراحهم ممّا هم فيه بإذهاب السّمع والبصر، ولكنّه لم يفعل إمعاناً في الإيذاء، وزيادة في الحيرة والقلق، لأنّ سعادة الإنسان تنبع من داخل نفسه عندما تطمئنّ ويغمرها برد اليقين.
وبما أنّ صفة النّفاق لا تكون على مستوى واحد من نفوس أصحابها كشأن الإيمان والكفر، فقد جاء ذكر هذين المثلين بياناً لصنفين من المنافقين: متطرّفين ومعتدلين، إن جاز لنا أن نعتبر الاعتدال في النّفاق، فنلاحظ التّطرّف في الصّنف الأوّل، إذ أنّ النّور الذي يستوقده صاحبه ليُضيء ما حوله ليس في قوّته وسطوعه بمساوٍ لذلك الذي يُحدثه البرق في الأجواء عند اشتداد العاصفة، ناهيك بنزول الصّواعق شدّةً ولمعاناً.