نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ٢ · صفحة ٢٧٤

قال الجمهور: إن الأمر في الاستشهاد للوجوب، وقال غيرهم: إنّه للنّدب، ويقول القطب -رحمه الله-: "وتحمّل الشّهادة وأداؤها فرض كفاية على الرّجال والنّساء، فإن وجد غير المدعوّ لم تلزمه إن قبل غيره، وإلاّ أولم يوجد سواه كانت فرض عين عليه وكذا غيره"(1)، ولذلك وجّه الخطاب إلى الشّهداء ألاّ يأبوا الشّهادة كما فعل ذلك بالكاتب من قبل. فقال تعالى: (وَلا يَابَ الشُّهَدَآءُ اِذَا مَا دُعُواْ): وبذلك أوجب الله على الشّهداء تلبية الدّعوة، فجيء هنا بصيغة النّهي، وقد حذف المتعلق بفعل "دُعُواْ" لإفادة شمول ما يدعون لأجله من تحمّل المسؤولية ومن أدائها دونما مواربة ولا تلكؤ، وقد تكون الدّعوة من أحد المتعاقدين أو من كليهما، وفي كلتا الحالتين يجب على الشّهداء تلبية الدّعوة عن طواعية دونما تضرّر أو تفضّل.

وقد يستصغر المتعاقدين الدّين، أو يميلان إلى المجاملة بدعوى الحياة وحسن الظّن فيستثقلان الكتابة مما يعرّض الدّين -أحيانا- إلى المماطلة أو الإنكار تماماً، فعاد السّياق إلى التّأكيد على الكتابة كَبُرَ الدَّين أم صَغُرَ، وطال أجلُه أم قصُر فقال تعالى: (وَلاَ تَسْأَمُواْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً اَوْ كَبِيراً اِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمُ (أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ): نهى الله عن الملل والكسل في إثبات الدّين بالكتابة مهما تكن حالة الدّين ومهما يكن أجله طويلاً أو قصيراً، فبدأ بالدّين الصّغير لأنّه ممّا يتهاون فيه النّاس، وهو الأكثر تداولاً بينهم، مما يدّل على أن الكتابة تعتبر من الأدلّة المبيّنة للحقّ وممّا يعتمده الحكّام في الإثبات، ويجب أن يكون الدّين معيّن إلى أجله لزيادة الوضوح والإثبات.

والحكمة في هذه الإرشادات الإلهية المفصّلة لكم أيّها المؤمنون هي في هذه المزايا الثّلاث:

(1) 1 - امحمد يبن يوسف اطفيش، تيسير التّفسير،2/ 215.

٥٧٧ / ٦٬٧٦٧