سورة البقرة
الجزء ٢ · صفحة ٢٧٥أ) - (ذَلِكُمُ (أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ): أي إنّ ذلك من موازين القسط عند الله في ما يشرعه لخلقه للمحافظة على حقوق المتعاملين، وصيغة التّفضيل "أَقْسَطُ" توحي بأن يتوخى المؤمن مراتب الأفضلية في أعماله بما يؤثره الله ويحبّه.
ب) - (وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ): أي أن الكتابة تعتبر سندا قويّا للشّهادة، تعين على إقامتها والإدلاء بها إزالة لكل شكّ أو ارتياب، كما يدل عليه قوله:
ج) - (وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ): في تحديد نوع الدّين وقدره وأجله، وبما أن الإشارة جاءت بالمفرد فقد اختلف المفسرون في تحديد المشار إليه، فقيل: للكاتب وقيل: للإشهاد، غير أن الأرجح -والله أعلم- أنّ للمذكور كلّه من تلك الإجراءات المطلوبة لأنّها تتكامل وتتظافر في إثبات الحق إذا كان التّعامل بالدّيون الموجّلة، أمّا مع التّجارة الحاضرة التي لا تأخير فيها فمن فضل الله أن خفّف من تلك القيود فقال تعالى: (إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ): استثنى الله من عموم ما سبق التّجارة المنجزة بالحاضر فلا تشترط فيها الكتابة لأنها تتمّ يدا بيد وتتطلب السّرعة، وهي مما يتكرّر في كل وقت، فلا حرج في ترك كتابتها إذ لا يترتّب عليها شيء من الارتياب أو التّنازع.
وهذه الرّخصة من الله تعالى تقتضي الاختيار في الكتابة أو عدمها تخفيفا على المتعاملين، غير أن ما استحدثه النّاس في مجالات التّعامل من مختلف أنواع الضّبط في التّجارة وأنواعها ما بين داخلية وخارجية وتجارة بالتّفصيل أو بالجملة … إلخ استلزم ذلك أنواعا من الضّبط تعتمد على التّسجيل والكتابة، ومن هنا نلاحظ تلك الدّقة والحكمة في التّشريع ومرونة النّصوص بما يجعلها تواكب التّطوّر وتستوعب مجالات الحياة كلها: (وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ).