سورة البقرة
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٨(رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِنَا): والإصر هو العبء الثّقيل كما تقدم، وهو هنا بمعنى التّكاليف الشّاقة التي كانت على كاهل أتباع الدّيانات السّابقة كاليهود، وقد تناولت السّورة عيّنات من تلك التّكاليف التي جعلها الله عقوبة لهم على بعض ما ارتكبوه. كما خبّر الله عنهم بذلك في سورة النّحل فقال: (وَعَلَى الذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (النحل:118). وفي إرشاد الله للمؤمنين بمثل هذا الدّعاء إشادة بشريعتنا السّمحاء وبما تمتاز به من اليسر والرّفق، وإنّ ذلك يستوجب منّا شكر ربّنا على تلك النّعمة، إذ لو شاء لحمّلنا ما لا نطيق، ولكنّه قد امتنّ علينا بأنّه بعث نبيئنا رحمة للعالمين، إذ يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.
ولما كان الإصر ممّا قد يتحمّله الإنسان بمشقّة وعناء علّمنا الله أن يجنّبنا التّكليف بما لا نطيقه: (رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ)، وما لا يطاق هو ما لا يدخل في مكنة الإنسان، إن من التّكاليف الشّرعية أو من البلايا والمصائب. إنّه الاستشعار بالضعف الإنساني أمام ما تجري به أقدار الله على معنى الدّعاء المأثور: "اللهم لا نسألك ردّ القضاء ولكن نسألك اللّطف فيه"، وإلاّ فإنّ العبد المؤمن لا يملك إلا الرّضوخ والاستسلام أمام قضاء الله وقدره، ولكنّه يرجو ما عند الله من لطف وكرم ورحمة.