سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ٦٠بينما نجد المثل الثاني يشخّص الصّنف الذي ما تزال فيه قابليّة للتأثّر والانتفاع، غير أنّ موقفه من تصارع عاطفة حبّ الدّنيا وواجب أمانة الدّين غير متّزن، فهو أكثر ميلاً إلى حبّ الدّنيا واقتناص مُتعها بأيسر جهد وأقلّ تكلفة، فلتكن الحيلة والمراوغة ذريعة إلى ذلك، فهم إذا سمعوا القرآن تأثّروا بزواجره وفزعوا لقوارعه التي هي بمثابة الرّعود والبروق والصّواعق، ولذا فهم لا يعرضون تمام الإعراض، إذ يمشون خطوات في مجالات ذلك النّور إذا سطع، على قدر ما يحصلون عليه من الانتفاع، وبأقلّ قدر من الانقياد والانصياع، لأنّ ذلك النّور لم يبلغ من نفوسهم القرار المكين، ومن قلوبهم سويداء الاطمئنان واليقين، ولذا فهم لا يقبلون على الرّسول ومجالسه إلاّ في إدبار، إيثاراً لمنافعهم الشّخصية وخوفاً من الافتضاح، فهم يقفون في متاهات الحيرة والاضطراب، وإن كانوا يعتقدون أنّهم بعملهم هذا قد أدّوا ضريبة التّأمين على حياتهم وأموالهم، والله تعالى يرخي لهم الحبل ليستدرجهم من حيث لا يعلمون، ومن جهة أخرى لا يتركهم بدون رقيب ولا حسيب، وهو يشرّع أحكامه ويصمّم هياكل المجتمع المسلم، ويعبّد صراطه المستقيم، فيضع الشّارات واللاّفتات المنبّهة لمنعرجات الخطر، ومزالق التّهلكة ودسائس الشّيطان حتّى لا يضلّ السّائرون.