نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٢ · صفحة ٣٠٠

وكان الرّسول على عصمته وخشيته لله كثيراً ما يدعو بهذا الدّعاء في ما روته عائشة رضي الله عنها: «اللهم يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك، فقلت: يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدّعاء!، فقال: ليس من قلب إلاّ وهو بين أصبعين من أصابع الرّحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه».(1)

فهؤلاء المنحرفون الزّائغون يتركون الأصول الواضحة التي تقوم عليها العقيدة والشّريعة، ويجرون وراء المتشابه، يعكفون عليه ويحصونه، وهم ليسوا أهلاً لإدراك تأويل ما يمكن تأويله، وإنّما يؤوّلونه حسب أهوائهم قصد إفتان النّاس وإغرائهم كما يفعله المنافقون والملاحدة، والآية تعريض بموقف نصارى نجران من مجادلتهم لرسول الله.

وما أبلغ في هذا المقام وصف هؤلاء بزيغ القلوب، إذ أنّ مقابلهم هم المهتدون، غير أنّنا نجد في المقابل وصفاً زائداً عن الاهتداء المفهوم من مقابلة الوصفين، وهو الرّسوخ في العلم، لأنّه ليس حتماً أن يكون عدم الرّسوخ في علم الشّريعة مدعاةً للزّيغ والضّلال عند الخوض في المتشابه ضرورة أنّ المبتدئ في العلم قد يتناول المتشابه، لا عن قصد الفتنة بل للتّأمّل والمعرفة، غير أنّ ضعف البضاعة العلمية قد تكون مظنّة للانزلاق والانحراف، سيما إذا اغترّ طالب العلم وركبه العُجب بنفسه، ولذا فإنّ الأحوط للمؤمن في مثل هذا الموقف أن يفوّض المر إلى الله في إدراك المراد من المتشابه، فقال تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ، إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِى كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلآَّ أُوْلُواْ الاَلْبَابِ):

(1) 2 - أنظر الحديث باللفظ الوارد: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 1/ 349.

٦٠٣ / ٦٬٧٦٧