نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٢ · صفحة ٣٠١

التّأويل هو التفسير والتّعمّق في فهم آيات القرآن محكمه ومتشابهه. ويتطلّب المتشابه جهداً أكثر في معرفة حقيقته، وبيان ما يؤول إليه، فقوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ، إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) للمفسّرين فيها رأيان:

أ- يرى جمهور السّلف الوقوف على لفظ الجلالة (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) كلام مستأنف، فيقصرون تأويل المتشابه على الله تعالى، لأنّه ذمّ الذين يتبعون تأويله، كما يدلّ قوله: (ءَامَنَّا بِهِى كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) على التّسليم المحض، وهو رأي كثير من الصّحابة وابن عمر وعائشة وابن مسعود وأبيّ بن كعب وغيرهم، وتصبّ قولة أبي بكر رضي الله عنه في هذا الاتّجاه عندما قال: "أيّ أرض تقلّني، وأيّ سماء تظلّني إن قلت في كلام الله برأيي؟؟ ".

ب- ويرى البعض الوقف على لفظ "العلم" أي أنّهم يعطفون الرّاسخين في العلم على لفظ الجلالة في علم التّأويل، ويدلّ ذلك على تشريف مكانة أهل العلم، فتكون آية (يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِى) كلاماً مستأنفاً، وعلى هذا يكون المتشابه أو البعض منه معلوماً عند الرًاسخين في العلم، وإلى هذا يميل ابن عبّاس ومجاهد وغيرهما، وقد أُثِر عن ابن عبّاس رضي الله عنه أنّه كان يقول: "أنا من الرّاسخين في العلم، أنا أعلم تأويله"، فلا عجب إذ دعاله رسول الله بذلك فقال: «اللّهمّ فقّهه في الدّين وعلّمه التّأويل».(1)

وقد تقدّم أنّ الصحابة وعلماء السلف يرون أن المتشابه يجيء على نوعين:

أ- ما استأثر الله بعلمه من أحوال الآخرة وحقيقة الملائكة والجنّ، فالوقف في مثل هذا النّوع لازم على الجلالة.

(1) 1 - رواه الحاكم في المستدرك، حديث 6280، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، 3/ 615

٦٠٤ / ٦٬٧٦٧