سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٨قلت: ويؤيّده قوله تعالى: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةَم بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:249)، ومعلوم من السّيرة النّبويّة النّبويّة ما كان من أحداث بدر، وأنّ عدد المشركين ثلاثة أضعاف عدد المسلمين، وسيأتي تفاصيل تلك الأحداث-بحول الله- في سورة الأنفال، ووجه العبرة في المثل أنّ هناك قوّة قاهرة فوق الجميع القوى تؤيّد وتؤازر فتحدث المعجزة إذ ينتصر الضّعيف وينهزم القويّ، ويستنزل هذا التّأييد وهذا المدد الإلهي بقوّة الإيمان ونُبل القصد في العمل بحيث يُبتغى به وجه الله، وذلك ما يفيده وصف الفئة المنتصرة بأنّها: (تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، وقابلها بوصف الكفر الجامع لكلّ دنيئة وخسيسة: (تَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْن)، قرأ الإمام نافع بتاء الخطاب والباقون بياء الغيبة، والرّؤية بصريّة لقوله تعالى: (رَأْيَ الْعَيْن)، ولها في التّفسير احتمالان:
أ- إنّ الكفّار رأوا المسلمين يوم عند التّلاحم مثلي عددهم فوقع لهم الرّعب، وعلى هذا تكون هذه الرّؤية غير المذكورة في الأنفال في قوله تعالى: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمُ، إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) (الأنفال:4)، إذ يناسب تلك أن تكون قبل التّلاحم حتّى يستخفّ المشركون بالمسلمين فلا يأخذون أُهبتهم للّقاء، فلمّا وقع اللّقاء أخذوا يرونهم كثرة بضعفي عددهم.
ب- يجوز أن يكون المسلمون قد رأوا المشركين مثلي عدد المؤمنين، بينما هم في الواقع ثلاثة أمثالهم، أي قلّلهم الله في أعين المسلمين لئلاّ يفشلوا، وبالتّالي تكون هذه الإرادة هنا هي المذكورة في سورة الأنفال، ويكون ضمير الغيبة للمسلمين على طريقة الالتفات.
ج- وعلى القراءة بياء الغيبة، فيكون المعنى أي مثلي عدد المرئيّين إن كان الرّاؤون هم المسلمين.