نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٢ · صفحة ٣٣٣

وقد يتحقق الملك في الدّنيا بالأسباب الموصلة إليه من إعداد العدة وتجميع الأتباع بحسن السّياسة والتّدبير، وأيّا كانت الأسباب في توطيد دعائم الملك للإنسان، فإن الملك الحقيقي والملكية الأصلية إنما هي لله وحده لأنّ ما في هذه الدّنيا كلها ممّا يتصرّف فيه الإنسان إنما هو وديعة يستردّها صاحبها متى شاء. ألا ترى كيف تنكشف هذه الحقيقة أمام الخلائق يوم الحشر عند ما ينادي مناد من قِبَل الله: (لمن الملك اليوم)؟؟ فلا مجيب ولا متطاول، ثم يعبّر على الحقيقة الأبدية: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) … (غافر:16 - 17).

والعزّ والذّل لهما آثار بالغة في الحياة الفردية والاجتماعية تسخيرها بيد الله إعطاء أو نزعا في الأفراد والجماعات، وإن كان العزّ والذّل يترتبان عن الأسباب الموصلة إليهما، فإن الألطاف الإلهية الحقيقية من وراء الأسباب هي التي تصرّف الأمور وتدير الأقدار؛ فكم من ملك ذليل وكم من فقير غنيّ بنفسه عزيز بهمّته، فلا تلازم إذن بين العزّ والملك، فقد أذلّ الله المشركين وهم في أوج قوّتهم وكبريائهم، وأعزّ الله رسوله والمؤمنين وهم ما يزالون يتدرجون في تنظيم جماعتهم: (وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُومِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) (المنافقون:8)

٦٣٦ / ٦٬٧٦٧