نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٢ · صفحة ٣٣٤

(بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): اقتصر على ذكر الخير في حق الله لأنه الأنسب لمقام التّسلية للمسلمين وتقوية معنوياتهم، فالخير الذي يعطونه من الله هو شرّ لأعدائهم، وكلّ ما يدبّره الله في شؤون خلقه هو خير في نفسه، لأن الشّرّ أمر عارض من الأمور الإضافية بالنّسبة إلينا، فإن المصائب التّي تصيبنا أحيانا ونعتبرها شرّا هي في تدبير أمر الله خير لنا، إذ تربّينا وتغيّر من أحوالنا.

ومن مظاهر قوته تعالى في تدبير شؤون الكون والخلق: (تُولِجُ اليْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اليْلِ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَىِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ): تصوير لظواهر تتعلق بالكون والحياة في إطار الزّمان والمكان كيف أبدعتهما قدرة الله، فكان تعاقب الليل والنهار في امتدادهما وانحسارهما بتخالف ما بين صيف وشتاء، أو باعتدالهما في فصلي الخريف والرّبيع أو في بعض المناطق كخطّ الاستواء، وكذا اختلاف الفصول على أجزاء الأرض المختلفة، وكذا إجلاء صنعته وقدرته في دورة الحياة في الكائنات من نبات أو حيوان مما هو معروف في علم الأحياء، حركة دائبة في هذا الكون الموّار وحركة دائبة في أجسام تلك الأحياء، إنها من تدبير مالك الملك وهي دلائل على قدرته ووحدانيته وقيومته، وهو الكفيل بالرّزق لخلائقه يوسّعه ويضيّقه على من يشاء، لا من نقص في خزائنه ولا لشحّ أو بخل -حاشاه- ولكن لحكمة وعلم بما يصلح لجميع أنواع خلائقه. وقد جعل بعض المفسّرين في هذا التّصوير رمزا لما حدث ويحدث في العالم من تقلبات في الرّخاء والشّدة وفي العلم والجهل، وفي العزّ والذّل وغير ذلك من متناقضات الحياة، والله أعلم.

٦٣٧ / ٦٬٧٦٧