سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٣٥٦فالحدث الذي قدّرته مشيئة الله لم يجر على السَّنَن المألوف عند النّاس لأن زكرياء طاعن في السّنّ لا يمكن أن ينجب أمثاله والمرأة عاقر لم تسبقها تجربة الحمل والوضع ومن ثمّ وجد زكرياء نفسه في وضعية غير عادية تجرّ إليه بعض المتاعب من الشّكّ والشّبهة لأن اليهود كانوا يسخرون من أهل الزّهد والعبادة ويلصقون بهم التّهم، ويوقعونهم في الشّبهات. فما لزكرياء ملاذ غير الله يطلب منه مباشرة وسيلة للاطمئنان النّفسيّ في تحقيق تلك البشارة: (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ). وليس هذا السّؤال التّعجّبي من زكرياء لشك في صدق وعد الله -وهو المؤمن الوفيّ- ولكنه من باب قول إبراهيم: (وَلَكِنْ لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (البقرة:260). وتكريما لامرأته الوفية، لم يأمره تعالى بتزوّج امرأة أخرى، فهو بأزاء قدرة الله المطلقة التي تعلو على الأسباب والمسبّبات: (كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ) لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
طلب زكرياء علامة من ربّه يستدلّ بها على بداية الحمل: (رَبِّ اجْعَل لِّيَ ءَايَةً)، وهكذا تشتد اللّهفة والشّوق إلى ذلك الحمل، وتلحّ عليه الرّغبة في الحصول على ما بشر به، وكان الإنسان عجولا، ولكن عناية الله بعبده لا تتركه في حيرته فإذا بالجواب الإلهي يشفي الصّدر ويفصل في الأمر.
(قَالَ ءَايَتُكَ أَلاًَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ اِلاَّ رَمْزاً): أراد زكرياء علامة يعرف بها بداية الحمل ليكتمل بذلك سروره ويزداد شكره لربّه، ومن حسن تدبير الله الحكيم العليم أن يختار له علامة هي الأخرى محلّ عجب وتأمل إذ ينحبس لسانه عن كلام النّاس لمدة ثلاثة أيام بلياليها، فلا يحدثهم إلا رمزا أي بأنواع الإشارة كما يفعل الأخرس.