سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٣٧٥بعد ذلك العرض الشّيق لقصة ميلاد عيسى عليه السلام وبيان ما زوّده الله به من المعجزات العجيبة، نلاحظ في السّياق طيّا لذكر ما حدث بالفعل، من ميلاده إلى بعتثه وإعلان دعوته وها هو ذا عيسى الرّسول يدعو قومه إلى منهجه الجديد لإخراج بني إسرائيل من تقوقعهم مع ظواهر النّصوص، وهم ينكرون عليه ذلك بل يعرضون ويهدّدون. قال تعالى: (فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنَ اَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ ءَامَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ).
جهر عيسى بدعوته في قومه بني إسرائيل يدلّ عليهم الضّمير "مِنْهُمُ"، والتّعبير بفعل "أَحَسَّ" ينمّ عن مواجهتهم الصّريحة والعنيفة لتلك الدّعوة، إذ لم يجد منهم إلا الكفر الصّراح، ليس في قلوبهم أثارة من إيمان، فلم تنفع معهم تلك المعجزات التي بهرهم بها، وهي تشهد على صدقه وأحقية دعوته، ولكن مفاتيح الهداية بيد الله يهدي بها من يشاء فأنّى لهؤلاء الكفار أن ينصروا الدّعوة الجديدة؟. والمطلوب من الدّاعي في كل حالة أن يعلن دعوته كما أمره الله وهو لا يعدم أنصارا مهما استشرى الفساد واستكبر العباد. فنادى عيسى في قومه: (مَنَ اَنْصَارِي إِلَى اللهِ)؟. فهو لا يستنصر لأجل حظوة الدّنيا، بل إلى الله، أي أنصارا للدعوة الجديدة إلى جانب الله ورسوله، بكل ما تستلزمه النّصرة من الجهاد والتّضحية.