نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٢ · صفحة ٣٧٩

"إِذْ" في هذا الاستئناف البياني متعلق بمحذوف تقديره: "أذكر يا محمد"، حكاية رفع عيسى واختفائه عن أنظار أعدائه بتدبير الله العليّ القدير إذ ناداه: (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) وفي هذا الإخبار المقدّس إيناس وتطمين لما يجده من إعراض قومه، ثم تبشير بإظهار دينه بعد حين، و"توفّاه" بمعنى أماته ويطلق مجازا على النّوم قال تعالى: (وَهُوَ الذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاليْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ) (الأنعام:60). وقال تعالى في قصة المائدة: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) (المائدة:117). وظاهر الآية يدلّ على أن عيسى قد توفّاه الله وفاة طبيعية كغيره من الرّسل، على أن يفسّر الرّفع في قوله: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) بالرّفع المعنويّ، كما ورد في شأن إدريس عليه السلام في قوله تعالى: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً) (مريم:57). وللمفسرّين في هذه الآية مسلكان مع ما ورد في الحديث.

أ) - تأويل معنى الآية لتوافق ما جاء في الحديث الصّحيح في رفع عيسى إلى السّماء ونزوله في آخر الزّمان ليعمل بشريعة محمد ويقتل المسيح الدّجال … إلخ، وأن الرّفع والنّزول حقيقيان بشخصه لأن له روحا متميزة.

ب) - ترك الآية على حقيقة ألفاظها في الوفاة والرّفع وأن عيسى روحه كأرواح بقية الرّسل والأنبياء، لأن ذلك من أمور الغيب الاعتقادية التي لا يؤخذ فيها إلا بالنّصوص القطعية -والله أعلم بمراده- وسيأتي تفصيل ذلك بحول الله في سورة النّساء.

(وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذِينَ كَفَرُواْ): والتّطهير هنا بمعنى العصمة والتّنزيه، أي يبرئه الله مما ألصقوا به من وصمة الفاحشة في حمل أمّه إياه، ويعصمه من إذاية اليهود ومكرهم فلا يناله منهم مكروه.

٦٨٢ / ٦٬٧٦٧