نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٢ · صفحة ٣٨٤

ويستوقفني التّعبير في قوله تعالى: (خَلَقَهُ’ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ’ كُن فَيَكُونُ)، فهناك مرحلتان في تخلّق آدم: تسوية الجسد من مادة التّراب على الصّفة المقصودة، تعقبه النّفخة العلوية للرّوح في تلك المادة وهي أدقّ صنعا وأعظم سرّا في مجال القدرة الإلهية، جاء العطف بينهما بـ"ثُمَّ" الّتي هي للتّراضي الرّتبي. قال تعالى: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ (السّجدة:9). وقال عن سرّ الرّوح: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُمْ مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء:85).

وبما أن الإنسان مزدوج التّكوين من مادة وروح فإننا نجد مثل ذلك العطف بـ"ثُمَّ" في آيات سورة المؤمنون في بيان أطوار خلقة الإنسان إذ يقول تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً اخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون:12 - 13 - 14).

يقول الإمام ابن عاشور في معنى (كُن فَيَكُونُ): "وقول (كُن) تعبير عن تعلّق القدرة بتكوينه حيّا ذا روح ليعلم السّامعون أن التّكوين ليس بصنع يد ولا نحت بآلة، ولكنه بإرادة وتعلّق قدرة، وتسخير الكائنات التي لها أثر في تكوين المراد، حتى تلتئم وتندفع إلى إظهار المكوّن، وكل ذلك عن توجّه الإرادة بالتّنجيز".(1)

(1) 1 – محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتنوير، 4/ 265 - 266.

٦٨٧ / ٦٬٧٦٧