سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٣٩٠يعتزّ أهل الكتاب ومشركو العرب بانتمائهم إلى إبراهيم ويدّعون أنهم على ملّته ليجدوا في ذلك مبرّرا لرفض الإسلام، لأنّه -في زعمهم- مخالف لدين إبراهيم. ولنفي ذلك الزّعم الباطل أعقب ما تقدم بهذا النّداء الثّاني لأهل الكتاب، ويحتمل أن يكون من جملة مقول القول الذي أمر به رسول الله، ويجوز أن يكون استئنافا ابتدائيا من كلام الله ونداء مباشرا لأهل الكتاب تلاه الاستفهام الإنكاريّ لمحاجتهم الباطلة في دين إبراهيم: (لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيم)، أي في دينه بزعمكم أنكم على ملّته وهي دعوى باطلة.
(وَمَآ أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالاِنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ): أي كيف عرفتم أن الإسلام لا يتطابق مع دين إبراهيم لما فيه من الزّيادات، مع أن كلاّ من التّوراة والإنجيل قد نزلا بعد إبراهيم بزمن طويل، ثم لم يصرّح في أحد الكتابين بأنه مطابق لشريعة إبراهيم، وبهذا الرّدّ تكون الآية نفيا لدعوى الفريقين أنهما على دين إبراهيم، لو كانوا يعقلون ويذعنون لمنطق الحجاج.
(هَآنتُمْ هَؤُلآَءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ): تعتمد المحاجّة الصّادقة على الإلمام بالموضوع المطروح للنّقاش، إذ يتوخّى المتناظرون فيه وجه الحقيقة والوصول إليها بالأدلّة والبراهين القاطعة أمّا الجدال الفارغ الذي يهدف إلى السّفسطة وقلب الحقائق فهو تضييع للوقت وإلباس للحق بالباطل.