سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٣٩٤ب) - أن تكون الجملة من بقية مقولة الرّسول التي أمره الله بها فتكون الآية إبطالا لقولهم: (وَلاَ تُومِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ) أي قلتم ذلك حسدا: (أَنْ يُّوتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُم). ويكون قوله: (أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ) إبطالا لقولهم: (ءَامِنُواْ بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الذِينَ ءَامَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ) على طريقة اللّفّ والنّشر المعكوس.
د) - البيان والتّفسير:
المعرضون عن الدّعوة قد لا يكون موقفهم سلبيا، بل يتجاوزون ذلك إلى محاربة الدّعوة بكل الوسائل إما بدافع اعتقاد بطلانها كمشركي العرب، أو بدافع الحسد والغيرة كأهل الكتاب. فبعد قوله تعالى: (فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) انتقل إلى بيان مكايد أهل الكتاب وألاعيبهم في محاربة الدّعوة الإسلامية وزرع الشّكوك في نفوس المسلمين فقال جلّ من قائل:
(وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنَ اَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلآَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ): إنها الرّغبة في الإفساد والسّعي إلى الإضلال بزرع الشّكوك والأوهام في أوساط الجماعة المسلمة، والمقصود من طائفة أهل الكتاب هم يهود المدينة بني قريظة، وبني النّضير، وبني قينقاع، يشايعهم المنافقون. وقد ذكر المفسّرون أسماء بعض هؤلاء المضِلّين بأنهم دعوا كلا من عمّار بن ياسر، ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان دعوهم إلى دينهم، ولكن هيهات أن يرتدّ المؤمن عن دينه، وقد أذاقه الله حلاوة الإيمان وأنار بصيرته بالهدى، ولذا فإن تلك المحاولة منهم في الإضلال، ترجع على أنفسهم بالشّرّ والوبال، ومن أشدّ الشّقاء على الضّالّ المضلّ أنه لا يشعر أحيانا بموقفه المخزي، بل يحسب أنه يحسن صنعا كما قال الشّاعر العربيّ:
يغمى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن.