سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٣٩٩ولعل الأوفق بالسّياق -والله أعلم- أن تكون الآية تكملة لمحاورة أهل الكتاب لبعضهم بعضا، وذلك لإظهار مبلغ حسدهم وحقدهم على المسلمين، فهم ينكرون أن يؤتى أحد النّبوءة من غير بني إسرائيل ولا يقرّون بذلك إلاّ لأتباعهم في ديانتهم، وبذلك تكون هذه الآية تعليلا لقولهم: (وَلاَ تُومِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ)، لأنّ إقرارهم بذلك للمسلمين مما يزيدهم ثباتا على دينهم، ويتّخذون ذلك حجة عليهم عند الله يوم القيامة، كما أن إقرارهم بذلك لمشركي العرب يدفعهم إلى الإسلام واتّباع محمد وأصحابه، وهم في الموقفين يوصي بعضهم بعضا على الإنكار لما يعرفونه من الحق على صدق نبوءة رسول الله وحقية القرآن.
وفي أعقاب ذلك الفضح والكشف لدسائس أهل الكتاب يرشد الله رسوله لبيان حقيقة فضل الله ورحمته كيف يؤتيهما من يشاء من عباده: (قُلِ اِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُوتِيهِ مَنْ يَّشَآءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَّشَآءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ):
إنه التّذكير بما يجب أن يعتقده المؤمن الوفيّ من صفات الفضل والعدل في إرادة الله ومشيئته إذ يختار لرسالته من يشاء: (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالاَتِهِ) (الأنعام:124). فلا تكون حكرا على قوم أو جنس ولا لمحاباة أو مجاملة بل هو علم الله الواسع وإحاطته بشؤون خلقه ليشرّع لهم ما هم في حاجة إليه وفق ظروف المكان والزّمان، وهي الرّحمة الشّاملة لمن يستحقها من عباده يهيّئهم لتحمّل أمانة الرّسالة ونصرة دين الله.
فهل يدرك المسلمون هذا الفضل وهذه الرّحمة من الله لهم، وقد جعلهم خير أمة أخرجت للنّاس؟، أم أنهم اليوم قد ولّوا قبلتهم شطر الغرب اليهودي والصّليبي مأخوذين ببريق الحضارة المادية الزّائفة، وواقعين في مثل هذه الألاعيب الشّيطانية من أساطين أهل الكتاب، ومن يشايعهم من الإمّعات والأذناب؟.
أصناف أهل الكتاب في أداء الأمانة والوفاء بالعهد