سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٣٩٨إنه أسلوب الحيلة والمخادعة لجأ إليه بعض الأحبار من اليهود قيل إنهم كانوا يصلّون الصّبح مع المسلمين ليظهروا إسلامهم وأنهم يصدّقون برسالة محمد، فيستأنس بهم بعض السّذّج من المسلمين، وفي المساء يعلنون كفرهم ليوهموا غيرهم أنهم فعلوا ذلك عن بصيرة وتجربة، وبحكم نظرة البسطاء من المسلمين إليهم بأنّهم أهل كتاب وأنهم أدرى بعلم الدّيانات، فإن الكثير من المسلمين تنطلي عليهم الحيلة، ولعلّ البعض منهم يرتدّ عن دينه. وقولهم في عرض هذه الحيلة الشّيطانية: (وَلاَ تُومِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ) معناه لا تؤمنوا الإيمان الحق الباعث على الثقة والاطمئنان، ولا تظهروا ذلك إلا لأتباع دينكم، أما الإيمان الصّوري بمحمد وأتباعه فهو للمخادعة.
ذلك هو مسعاهم الفاسد، وذلك هو تصوّرهم الخاطئ في أمر الهداية والتّوفيق، حتى لكأنّهم هم المتحكّمون في قلوب النّاس يقلبونها كيف يشاءون. ولكن الله مقلّب القلوب أمر رسوله أن يردّ عليهم ظنهم ويقول: (قُلِ اِنَّ الْهُدَى هُدَى الله): فمن لم يهده الله فهو مستبعد من الاهتداء، فلا تجدي متابعة هؤلاء في إيمانهم أو ارتدادهم، لأن الله تعالى إذا قدّر الهداية لأحد فلا يقدر النّاس على إضلاله مهما كانت خدعهم ومكائدهم.
(أَنْ يُّوتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمُ (أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ): لقد بيّنا في مبنى النّصّ كلاّ من الاحتمالين الواردين على موقع هذه الآية ممّا سبقها قبل الحملة الاعتراضية وقلنا: إمّا أنّها تكملة لمحاورة أهل الكتاب بعضهم لبعض، أو أن تكون من بقية مقولة الرّسول التي أمره الله بها، وعلى كلا الاحتمالين فإن للآية وجه تفسيرها كما بيناه سابقا.