سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٤٠٤وأهل الكتاب سميّت كتبهم بالعهد القديم "للتّوراة" والعهد الجديد "للإنجيل" تركيزا لمعنى الصّدق والأمانة، وعبّر بالشّراء ووصف الثّمن المستبدل به بأنه قليل، فجعل نكث العهد وأخذ شيء مقابله بمثابة معاوضة البيع والشّراء، ولكنها تجارة خاسرة، لأن كلّ ما يؤخذ بدلاً من عهد الله فهو قليل زائل: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) (النساء:77).
ويعظم الجرم بأن يكون الممارسون لهذه الصّفقة الخاسرة هم رجال الدّين من الأحبار والرّهبان الذين هم في مقام القدوة لغيرهم، ولكنّهم يستغلّون نفوذهم الرّوحي في الانتفاع الدّنيوي مؤوّلين للنّصوص المقدسة أو محرّفيها، فلهؤلاء وأمثالهم المشار إليهم بـ"أُولَئِكَ" للدّلالة على بُعدهم من رحمة الله يجيء هذا الوعيد: (لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الاَخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). يقول العلماء: إن الوعيد المرتب على نكث العهد وخيانة الأمانة هو من أشدّ ما نطق به الكتاب، فحسب الخائنين النّاكثين هذا الوعيد المركّب من:
أ) - (لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الاَخِرَةِ): أي لا نصيب لهم من النّعيم الأبديّ، وهو الجزاء الأوفى لمن آثر العاجلة على الآجلة.
ب) - (وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ): كناية عن تحقيرهم وإهمالهم، إذ هم في غضب الله وسخطه لا يعبأ بهم أمام الخلائق في يوم تتلّهف فيه إلى رحمة الله.
ج) - (وَلاَ يُزَكِّيهِمْ): وخلوّ هذا الفعل من قيد "يَوْمَ الْقِيَامَةِ" يعني أن نفي تلك التّزكية تكون في الدنيا بعدم التّوفيق والهداية فلا يرجى لهم صلاح، كما تكون في الآخرة فلا ترجى لهم توبة ولا مغفرة.
(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ): تذييل مناسب يحمل أنواع تلك العقوبات الشّديدة وقانا الله شرّها ووبالها.