نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٢ · صفحة ٤١٤

(لَمَآ ءَاتَيْنَاكُمْ مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُومِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّه): أي مهما أوتي رسول من كتاب وحكمة، ثم جاء رسول من بعده مصدّقا لما معه ليومنن بذلك الرّسول اللاّحق ولينصرنه، وبذلك تتكامل الرّسالات السّماوية، لأنها متفقة كلها في الأصول والمبادئ، وتنبثق كلها من مشكاة واحدة. وقد جاء هذا المضمون الميثاقي مؤكدا بالقسم للزّيادة في الإشهاد والتّوثيق. وهكذا تسلسل النّصرة بين دعوات رسل الله ويتتابع التّصديق بين أجيال الرّسل إلى عهد رسول الله خاتم النبيئين، وهو المقصود في هذا السّياق لحمل أهل الكتاب وإقناعهم على التّصديق برسالته.

بعد البيان الشّافي لمضمون الميثاق يتمثل المشهد في صورة بديعة مؤثرة، يخاطب الله فيها رسله: يشهدهم بذلك فيقرون، ثم يوثق شهادتهم بشهادته فقال: (قَالَ ءَآقْرَرْتُمْ وَأَخَذتُّمْ عَلَى ذَلِكُمُ (إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشَّاهِدِينَ، فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ): لم يقتصر التّعبير على فعل (ءَآقْرَرْتُمْ) وهو الاعتراف بل جاء السّؤال مؤكدا بقوله تعالى: (وَأَخَذتُّمْ عَلَى ذَلِكُمُ (إِصْرِي)، والأخذ هو التّناول للشّيء ويدلّ ذلك على الرّضى به وقبوله، أي أن رسل الله إذ يلتزمون بعهد الله وميثاقه في نصرة دينه والتّصديق بجميع رسله، فهم بمقتضى مسؤوليتهم في التّبليغ يعملون لتركيز ذلك في أممهم. ويؤيده قوله تعالى: (فَاشْهَدُواْ) إذ تتناول هذه الشّهادة شهادة الأنبياء على أممهم بأنهم بلغوا ذلك لهم كما تتناول شهادتهم على أنفسهم وعلى بعضهم بعضا والله يشهد على جميع خلقه رسلا وأتباعا.

٧١٧ / ٦٬٧٦٧